النويري

43

نهاية الأرب في فنون الأدب

نفسها وولدها من الملك لكونها تزوّجت بمن ليس منهم ؛ فلمّا وضعته هناك وأرادت الانصراف قالت : وانوحاه . وانصرفت ، فبقى في الغار أربعين يوما ؛ ثم توفّى أبوه لمك ؛ فاحتملته الملائكة ووضعته بين يدي أمّه مزيّنا مكحولا ، ففرحت به وربّته حتى بلغ . وكان ذا عقل وعلم ولسان وصوت حسن ، واسع الجبهة ، أسيل الخدّ ، وكان يرعى الغنم لقومه مدّة ، وربما عالج التجارة ؛ ثم كره مجاورة قومه لعبادتهم الأصنام . وكان لهم ملك يقال له درمشيل ؛ وكان جبّارا عاتيا قويّا ، وهو أوّل من شرب الخمر واتّخذ القمار وقعد على الأسرة واتخذ الثياب المنسوجة بالذهب وأمر بصنعة الحديد والنحاس والرصاص ؛ وكان هو وقومه يعبدون الأصنام الخمسة : ودّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا ؛ ثم اتخذ ألف صنم وسبعمائة صنم على صور شتّى ، واتخذ لها كراسىّ من الذهب والفضة ، وأقام لها الخدم يخدمونها ؛ فاعتزلهم نوح إلى البرارىّ ولم يخالطهم حتى بعثه اللَّه تعالى نبيّا ؛ واللَّه أعلم بالصواب . ذكر مبعث نوح عليه السلام قال : فأمر اللَّه تعالى جبريل - عليه السلام - أن يهبط إلى نوح ويبشره بالنبوّة والرسالة ؛ فهبط جبريل عليه ، وجاءه بوحي اللَّه أن يسير إلى درمشيل الملك وقومه ويدعوهم إلى عبادة اللَّه تعالى ؛ فأقبل نوح إلى قومه من يومه - وكان يوم عيدهم وقد نصبوا أصنامهم على أسرّتها وكراسيّها ، وهم يقرّبون القرابين لها ، وكانوا إذا فعلوا ذلك يخرّون لها سجّدا ويشربون الخمر ، ويضربون بالصّنج ، ويأتون النساء كالبهائم من غير تستّر - فجاءهم وهم يزيدون على تسعين زمرة ، كلّ زمرة لا يحصون كثرة ، فاخترق الصفوف حتى صار في وسط القوم ، وسأل اللَّه تعالى أن ينصره